من هو الشخص الأقدر فعلًا على فهم المنظومة الصحية وقيادتها نحو الأفضل؟
كانت بعض القبائل في الجزيرة العربية والعراق تتميز بعادة يستغربها البعض: حين تضع مواصفات شيخها
أو زعيمها، كانت تضيف إلى الحكمة والشجاعة والخبرة صفةً غريبة: “حسن الطالع” أو “البخت”. ليس فقط
!! العقل الراجح والقدرة على الإقناع — بل الحظ أيضاً.
للوهلة الأولى يبدو هذا تفكيرًا بدائيّاً. لكن تأمّل قليلاً: كم من قائد رأيته ينجح لا لأنه الأفضل، بل لأن الظروف جاءت في صالحه، أو كانت لديه العلاقات المناسبة، أو لأن الفرصة جاءت في الوقت المناسب.
معيار مزدوج !!
ثمة حجة شائعة تقول: “الطبيب للعيادة، ليس للإدارة.” لكن هذا المنطق يبدو انتقائيّاً حين نقارنه بقطاعات أخرى: الجامعات يقودها أكاديميون، وفرق كرة القدم أو السلة يدربها لاعبون سابقون، وشركات التقنية يسيّرها مهندسون ومبرمجون . فلماذا يكون الطب استثناءً؟ ُلماذا نظن أن شخصًا لم يقف يومًا في غرفة عمليات أو يخبر عائلة بخسارة عزيز عليها، هو الأقدر على إدارة المستشفى طالما كان قادرًا على قراءة تقرير مالي؟
ماذا تقول الأبحاث والبيانات ؟
الباحثة البريطانية أماندا جودل في مقالة جيدة درست أفضل 100 مستشفى في أمريكا في تخصصات أمراض القلب والأورام والجهاز الهضمي وطرحت سؤالا بسيطا : من يدير أفضل المستشفيات ، الأطباء أم الإداريين ؟
النتيجة جاءت واضحة في التخصصات الثلاثة: المستشفيات التي يقودها أطباء حققت جودةً أعلى بنحو 25% مقارنةً بتلك التي يديرها إداريون مهنيون. والمستشفيات الأكثر تميزاً — تلك التي تتفوق في تخصصات متعددة — كان يقودها بشكل شبه حصري أطباء. وجدت جودل النمط ذاته في ميادين أخرى: الجامعات تتحسّن حين يقودها علماء متميزون، وفرق كرة السلة تفوز أكثر حين يدرّبها لاعبون سابقون.
الإداريون ضروريون أيضاً….
لكن هذا لا يعني تسليم المستشفيات للأطباء وحدهم. إدارة المستشفيات والمراكز الطبية مع التوسع في الخدمات الصحية أصبحت في غاية التعقيد ، ، تحتاج إلى موازنة الميزانية وإدارة الكوادر والتخطيط الاستراتيجي — وكثير من الأطباء المتميزين سيشعرون بالضياع في مثل هذه المهام. لذلك السؤال هو عن من يشغل المنصب الأول، لا عن نفي الخبرة الإدارية.
المشكلة الحقيقية: كيف نختار قادتنا؟
هنا تعود حكمة الشيوخ وتصبح أقل طرافةً وأكثر إزعاجاً. في كثير من المنظومات الصحية، تعتمد تعيينات القيادة على المعارف الشخصية والتوقيت الملائم والعلاقات أكثر مما تعتمد على الكفاءة المثبتة والنضج المهني. طبيب شاب يُعيّن لمنصب إداري قبل أن ينضج طبيّاً. مدير يرتقي بسبب انطباع جيد في اجتماع مناسب. وشخص ما يحصل على المنصب لأنه كان متاحاً حين لم يكن هناك بديل أفضل.
النقاش عن أطباء مقابل إداريين يتجاوز أحياناً هذه الحقيقة. السؤال له معنى حقيقي فقط إذا كان المقارنون قد اختيروا فعلاً بناءً على الكفاءة. إذا كانت الحظ والعلاقات تقود التعيينات، فالمرضى هم من يدفعون الثمن.
“المشكلة ليست دائماً فيمن يقود. المشكلة في كيف نختار من يقود.”
السؤال الأجدى
شيوخ القبائل الذين أضافوا الحظ إلى شروط القيادة كانوا يعترفون بشيء مهم وواقعيين : أن الأفضل لا يصل دائماً إلى القمة. البحث العلمي يميل لصالح الأطباء في البيئات السريرية المعقدة — مصداقيتهم مع الكوادر، وفهمهم الفطري لمعنى الرعاية الجيدة. لكن الشهادة الطبية وحدها ليست كافية.
السؤال الحقيقي لمنظوماتنا الصحية ليس “طبيب أم إداري؟” بل: “هل لدينا الأمانة والآلية لاختيار الشخص ..المناسب حقاً؟” أم أننا — بما يشبه ما كان يفعله الشيوخ قديماً — لا نزال نترك بعضها للحظ.